أحمد بن علي القلقشندي

243

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلم تقع في كلامه من الحسن موقعا ، ولا أصابت من الطَّلاوة غرضا ؛ وهذه لفظة واحدة لم يتغير شيء من أحوالها سوى أنها نقلت من صيغة إلى صيغة ، وكذلك لفظة وذر ، فإنها لا تستعمل ماضية ، وتستعمل على صيغة الأمر كقوله تعالى : * ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ) * ( 1 ) وتستعمل مستقبلة أيضا كقوله تعالى : * ( سَأُصْلِيه سَقَرَ وما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ) * ( 2 ) ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هاتين الصيغتين ، وكذلك في غير القرآن الكريم من فصيح الكلام ، أما في حالة المضيّ ، فإنها أقبح من لفظة ودع ، وقد استعملت ماضية مع شذوذ ، وهذه لم تستعمل أصلا . النمط الثالث - ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على التثنية ، وذلك في مثل لفظ الأخدع ( 3 ) ، فإنها يحسن استعمالها في حالة الإفراد دون التثنية ؛ فممّا وردت فيه مفردة فجاءت حسنة رائقة ، قول الصّمّة بن عبد اللَّه ( 4 ) من شعراء الحماسة : تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا ( 5 ) وأخدعا ومما ورد فيه لفظ التثنية فجاء ثقيلا مستكرها قول أبي تمّام : يا دهر قوّم من أخدعيك فقد أضججت هذا الأنام من خرقك هكذا ذكره في المثل السائر ، ثم قال : وليس لذلك سبب إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما فحسنت ، وجاءت مثناة في الآخر فقبحت . النمط الرابع - ما يترجح فيه الإفراد في الاستعمال على الجمع ، وذلك

--> ( 1 ) الحجر / 3 . ( 2 ) المدثر / 26 - 27 - 28 . ( 3 ) الأخدع : عرق في موضع المحجمتين ، وهما أخدعان ( اللسان : 8 / 66 ) . ( 4 ) شاعر غزل بدوي من شعراء العصر الأموي . مات نحو سنة 95 ه . ( الاعلام : 3 / 209 ) . ( 5 ) اللَّيت : صفحة العنق ( اللسان : 2 / 87 ) .